محمد بن عبد الله الصفار

185

رحلة الصفار إلى فرنسا

وفي ابتداء ذلك الميدان صفا واحدا من المصابيح ، وكلها بضوء اسبيريطوا « 1 » الذي يجري في القواديس . ومن عجيب أمره أنه لا ينطفئ ولو نفخت عليه بمنافخ الدنيا ، وييس بفتيلة ولا شمعة إنما هو لسان من النار يخرج من جعبة ولها طرّاشة « 2 » ، إذا فتلتها انسد مجرى الجعبة فينطفئ السراج ، فإذا فتلتها بالعكس رجع كما كان ، وكل ضوء حوانيتهم وأسواقهم وسائر فناراتهم منه . ويتعاقد من يريده مع صاحبه الذي يرسله على قدر من الزمان معين كساعة أو ساعتين ، فإذا مضى ذلك الزمن انطفى السراج لأن مرسله يقطع له المادة وقتئذ ، وهو من حكمهم العجيبة . رجع ، فإذا حضر أوان اللعب واجتمع الناس ، فتكون الستارة مرخية على ذلك الميدان ، فترتفع الستارة فتبدوا في ذلك الميدان صور عجيبة وأشكال غريبة ، فيصورون البلدان والأشجار والبراري والبحار والسماء والشمس والقمر والنجوم ، وكل ذلك رقوم ونقوش في الكواغيط ، ولكن لا يشك من رءاها أنها حقيقة . ويصورون ضوء الليل والنهار والفجر وضوء القمر تحت السحاب وغير ذلك . ولا بد أن يكون هناك جواري مزينات بأحسن الزينة وأجمل اللباس ، وعسكر وسلطان لابسي الدروع والبيضات وبيدهم الأسلحة من السيوف والرماح والمكاحل وغير ذلك . ويلعبون أربع أو خمس لعبات في الليلة ، وإذا انقضت اللعبة الأولى أرخوا الستارة المذكورة وغيروا التصوير الذي كان في المرة الأولى ، ويصورون تصويرا آخر يوافق اللعبة الثانية ، وهكذا في كل لعبة « 3 » . ثم إن اللعبات عندهم محفوظة معلومة لا أنهم يخترعونها هنالك . واللعب الذي

--> ( 1 ) ظهرت مصابيح الإنارة المعتمدة على مادة الغاز في باريز لأول مرة في العقد الثاني من القرن التاسع عشر ، وكانت تسمى وقتئذ بيك دو كاز ( bec de gaz ) . وتعني لفظة اسبيريطو في العامية المغربية نوعا من الكحول أو الوقود الذي يبدو ضوءه شبيها بضوء الغاز عند إيقاده . ( 2 ) فعل طرش ، أي أغلق . وقد كتب دوزي أنها تعني اليوم في المغرب عكس ذلك ، أي فتح : Dozy 2 . 35 ، والمقصود بالطراشة هنا ، المفتاح الذي يسمح بمرور الغاز إلى المصباح فيضيء ، أو يمنع مروره فينطفىء حسب الحاجة ( المعرب ) . ( 3 ) اعتقد الصفار خطأ ، ونتيجة لجهله اللغة الفرنسية وبالتالي لموضوع المسرحية وحبكتها الروائية ، أن كل مشهد جديد من المشاهد المعروضة يشكل مسرحية قائمة الذات .